ابن عربي
49
رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن
فإن الذي يؤذيك منه استماعه * وإن الذي قد قيل خلفك لم يقل فأنزل اللّه تعالى « وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ » الآية فقال الأعرابي : هذا واللّه هو السحر الحلال ، واللّه ما تخيلت ولا كان في علمي أن يزاد أو يؤتى بأحسن مما قلته ، أشهد أنك رسول اللّه ، واللّه ما خرج هذا إلا من ذي إلّ . يقول اللّه تعالى : « ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ » من الإحسان يعني قوله ( وَأَصْلَحَ ) من قوله تعالى ( فَمَنْ عَفا وَأَصْلَحَ ) السيئة « فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ » . [ سورة فصلت ( 41 ) : آية 35 ] وَما يُلَقَّاها إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَما يُلَقَّاها إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ ( 35 ) « وَما يُلَقَّاها » يعني هذه الصفة « إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا » [ « وَما يُلَقَّاها » : ] وحبسوا أنفسهم عن أن يجازوا المسئ بإساءته إساءة ، ولو علم الناس قدر ما نبهنا عليه في هذه المسألة ، ما جازى أحد من أساء إليه بإساءة ، فما كنت ترى في العالم إلا عفوا مصلحا ، لكن الحجب على أعين البصائر كثيفة ، وليست سوى الأغراض واستعجال التشفي والمؤاخذة ، ولو نظر هذا الناظر لمّا أساء هو على اللّه ، في رد ما كلفه به ، وركوبه الخطر في ذلك ، وإمهال الحق له وتجاوزه عنه في هذه الدار ، حتى يكون هو الذي يكشف نفسه ، حتى تقام عليه الحدود ويرمي نفسه في المهالك ، كما قال الصاحب : ستر اللّه عليه لو ستر على نفسه ؛ في المعترف بالزنا ، مثل هذا الأعرابي الذي سبق الإشارة إليه عرفوا إعجاز القرآن ، أترى يا ولي يكون هذا الأعرابي فيما وصف به نفسه بأكرم من اللّه في تحمل الأذى وإظهار البشر والمخالفات عن العقوبة ، والعفو مع القدرة ، وتهوين ما يقبح على النفس ، والتغافل عمن أراد التستر عنك بما يشينه لو ظهر به ؟ بل اللّه أكرم منه ، وأكثر تجاوزا ، وعفوا وحلما وأصدق قيلا ، فإن هذا القول من العربي وإن كان حسنا ، فما يدري عند وقوع الفعل ما يكون منه ، والحق صادق القول بالدليل العقلي ، فما يأمر بمكرمة إلا وهي صفته التي يعامل بها عباده ، ولا ينهى عن صفة مذمومة لئيمة إلا وهو أنزه عنها : إذا رأيت مسيئا يبتغي ضررا * فداره ثم لا تظهر له خبرا وادفع أذاه بما توليه من حسن * وامنن عليه ولا تعلم به بشرا فإن ذلك إكسير وقوته * أن تقلب العين والأجساد والصورا